الشنقيطي
8
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعلّمه » ، وفي رواية له : « إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه » « 1 » ، كما نرجوه تعالى أن يوفقنا للعمل بما علمنا من كتابه ، والتخلق بما فيه من المكارم ، والتأديب بآدابه ، وأن يعلمنا ما جهلنا ، ويذكرنا ما نسينا منه ، وأن يرزقنا إخلاص النية في جميع الأعمال ، وأن يحفظنا بفضله ورحمته من فساد القصد في الأعمال إنه رحيم كريم . اعلم وفقني اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه ، أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب اشتراك ، سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف ، ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم قوله تعالى : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] لأن القرء مشترك بين الطهر والحيض ، وقد أشار تعالى إلى أن المراد بأقراء العدة الأطهار بقوله : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] فاللام للتوقيت ووقت الطلاق المأمور به فيه في الآية الطهر لا الحيض ، وتدل له قرينة زيادة التاء في قوله : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ، لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار ، فلو أراد الحيضات لقال ثلاث قروء بلا هاء ، لأن العرب تقول : ثلاثة أطهار وثلاث حيضات . وسترى بعض الكلام على هذه المسألة في هذه الترجمة ، وتحقيق المقام فيها بأدلته في سورة البقرة إن شاء اللّه تعالى . ومن أمثلة الاشتراك في اسم قوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الحج : 29 ] فإن العتيق يطلق بالاشتراك على القديم ، وعلى المعتق من الجبابرة ، وعلى الكريم ، وكلها قيل به في الآية وتصريح اللّه بأنه أقدم البيوت التي وضعت للناس في قوله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [ آل عمران : 96 ] الآية ، يدل للأول ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ [ التكوير : 17 ] فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره ، وقد جاءت آية تؤيد أن معناه في الآية أدبر وهي قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ( 33 ) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ ( 34 ) [ المدثر : 33 - 34 ] فكون عسعس في الآية بمعنى أدبر يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى ، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل ، وبالفجر وضيائه إذا أشرق ، كقوله : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ( 2 ) [ الليل : 1 - 2 ] وقوله : وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ( 3 ) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [ الشمس : 3 - 4 ] وقوله : وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) [ الضحى : 1 - 2 ] إلى غير ذلك من الآيات ، والحمل على الغالب أولى وهذا هو اختيار ابن كثير وهو الظاهر خلافا لابن جرير . وسترى إيضاح هذا المبحث إن شاء اللّه في سورة التكوير ، ومن أمثلة الاشتراك في فعل قوله تعالى : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) [ الأنعام : 1 ] فإنه مشترك بين قولهم عدل به غيره إذا سوّاه به ، ومنه قول جرير :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن حديث 5027 و 5028 .